عبد الله بن أحمد النسفي

52

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 19 إلى 22 ] قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا ( 22 ) تتقي اللّه فإني عائذة به منك . 19 - قالَ جبريل عليه السّلام إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ أمّنها مما خافت ، وأخبر أنه ليس بآدمي بل هو رسول من استعاذت به لِأَهَبَ لَكِ بإذن اللّه تعالى ، أو لأكون سببا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع . ليهب لك أي اللّه أبو عمرو ونافع غُلاماً زَكِيًّا طاهرا من الذنوب ، أو ناميا على الخير والبركة . 20 - قالَتْ أَنَّى كيف يَكُونُ لِي غُلامٌ ابن وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ زوج بالنكاح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة تبغي الرجال ، أي تطلب الشهوة من أي رجل كان ، ولا يكون الولد عادة إلا من أحد هذين ، والبغي فعول عند المبرد بغويّ فقلبت الواو ياء وأدغمت وكسرت العين اتباعا ولذا لم تلحق تاء التأنيث كما لم تلحق في امرأة صبور وشكور ، وعند غيره هي فعيل ولم تلحقها الهاء لأنها بمعنى مفعولة وإن كانت بمعنى فاعلة فهو قد يشبّه مثل إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ « 1 » . 21 - قالَ جبريل كَذلِكِ أي الأمر كما قلت لم يمسسك رجل نكاحا أو سفاحا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي إعطاء الولد بلا أب عليّ سهل وَلِنَجْعَلَهُ تعليل معلّله محذوف ، أي ولنجعله آيَةً لِلنَّاسِ فعلنا ذلك « 2 » ، أو هو معطوف على تعليل مضمر أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية « 3 » ، أي عبرة وبرهانا على قدرتنا وَرَحْمَةً مِنَّا لمن آمن به وَكانَ خلق عيسى أَمْراً مَقْضِيًّا مقدرا مسطورا ، في اللوح ، فلما اطمأنت إلى قوله دنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها . 22 - فَحَمَلَتْهُ أي الموهوب ، وكانت سنها ثلاث عشرة سنة ، أو عشرا ، أو عشرين فَانْتَبَذَتْ بِهِ اعتزلت وهو في بطنها ، والجار والمجرور في موضع الحال ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : كانت مدة الحمل ساعة واحدة كما حملته

--> ( 1 ) الأعراف ، 7 / 56 . ( 2 ) اعدنا ترتيب الآية كما في ( أ ) . ( 3 ) في ( ظ ) و ( ز ) آية للناس .